طفولة مغتصبة(جريمة التجنيد)!:

0 التعليقات



الطفولة مرحلة من مراحل الحياة للكائن البشري، وهي لذة الحياة وزهرتها الربيعية، ولؤلؤتها الثمينة وأيقونة تشهد على بقاء النسل البشري ونمائه على ظهر الأرض، والمحروم من الأطفال يبحث عنهم بشق الأنفس وبكل شغف، وربما تَقَطَعَ قلبه أسفا على ذلك، وتمتاز الطفولة بالبراءة والعفوية والسذاجة والصراحة، ما يجعل لها نكهة خاصة، ترشحها للتربع في عروش القلوب، حتى تأخذ بمجامعه، وتأسر ألباء الكبار وتجبرهم بالشفقة عليها، فكل ذي فطرة سليمة يطأطأ رأسه احتراما ومراعاة لحقوق الطفولة، لكنها تعاني من الخواء من معلومات مسبقة، وخبرات محفوظة، مع السذاجة وعدم نضوج العقل، ما يخلق لديها قابلية واستعداد لتلقي أي معلومة بغض النظر عن الصحة والخطأ، فالطفل لا يمتلك ميزة التمحيص والتمييز بين الصواب والخطأ، ومن خصائص الطفولة شدة التقليد والمحاكاة، فالطفولة صفحة بيضاء ناصعة يتحكم الكاتب بكتابة الكلمات فيها، فهي تستقبل بكل حفاوة لكل جديد مسطور، وهذا الأمر يؤكد المسؤلية الواقعة على عواتق أولياء الأمور في مراعاة الطفولة ورعايتها وإيلاء الإهتمام بها وإيداع الأطفال في حواضن تربوية موثوقة حتى لا يتعرضوا لاستغلالهم في قضايا خاطئة وشحنهم بالكراهية إزاء المجتمع  والحقن الإيدلوجي، حتى لا يكونوا معاول هدم يشكلون تهديدا صارخا للسلام، كما يجب بذل قصارى الجهود في حفاظ الطفولة من الإنتهاكات من أي طرف كائنا من يكون؛ لأنهم ضعفاء وغير قادرين على حماية أنفسهم "ولأن الأحداث التي تقع في الطفولة ستؤثر على الفرد عندما يكبر ومن ثم على المجتمع برمته" "فالأطفال يختلفون عن الكبار في تأثرهم بنفس الإنتهاكات"([1]) فمن المشين المساس بالطفولة بما يؤثر عليها سلبا، وإلقاء هذه الفراشات دوات الأريج الأخاذ في نيران الحروب المتوهجة جريمة وقضية إنسانية، ومن الأمور المجربة أن الفرد الذي عاش طفولة بائسة وتعرض لانتهاكات واعتداءات في طفولته يبقى تأثير ذلك الحدث سلبا عليه حتى بعد الكبر وربما لا يفارقه إلا إذا فارق الروح البدن، وتجعل صاحبها مرشحا وعرضة لأن يكون تهديدا صارخا للمجتمع بعد الكبر.
وأقرب نموذج ومثال نضربه لذلك هو دومينيك أونغوين الذي تم خطفه من قبل جماعة جيش الرب التي تقاتل في اوغندا وهو في سن العاشرة، وقد تلقى فيهم التدريب العسكري وشارك معهم في العمليات، وارتقى في صفوف الجماعة، حتى أصبح محل ثقة القائد للجماعة جوزيف كوني، وربيبه، فأصبح رجلا دمويا وحشيا تقليدا لقائده، وتلطخت أياديه بمختلف الجرائم من قتل واغتصاب وإبادة وتهجير، واستعباد جنسي، حتى سلم نفسه أخيرا إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في عام 2015م.

وفي حالات النزاع المسلح، وفي الأماكن التي تندلع فيها الحروب، يفقد الأطفال حقوق توفير بئية تعليمية والحصول على رعاية صحية، كما يتعرضون للتشرد والتشظي والنزوح، وأسوأ من ذلك أنهم يصبحون ضحية لاعتداءات جنسية، وتوظيف إجباري، والتجنيد القسري وزجهم في المعارك، من قبل جماعات مسلحة، وهذا ما يعتبر جريمة كما نص عليه قانون الأمم المتحدة.
 فالتجنيد القسري آخذ في التزايد في أرجاء المعمورة، فحسب احصائيات منظمة حقوق الأطفال يونسيف هناك أكثر من ربع مليون طفل مجند على مستوى العالم، وفي موقع الأمم المتحدة ذكرت أنه يوجد مئات الآلاف من الأطفال المستخدمين بوصفهم جنودا في النزاعات المسلحة حول العالم، وكثير من الأطفال مختطفون وقد تعرضوا للضرب لإخضاعهم فيما ينضم آخرون إلى الجماعات المسلحة فرار من الفقر من أجل حماية مجتمعاتهم، أو انطلاقا من شعور برغبة الإنتقام، وذكرت أن تجنيد الأطفال أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، وطبقا للمعاهدات والأعراف([2]).
وذكرت المنظمة أنه في جميع أنحاء العالم يتم تجنيد آلاف الفتيان والفتيات في القوات المسلحة الحكومية والجماعات المتمردة للعمل كمقاتلين وطهاة وحمالين وسعاة أو أعمال أخرى كما يتم تجنيد الفتيات لأغراض جنسية أو للزواج القسري([3]).
وفي الصومال في غضون الصراعات المسلحة، التي اكتوى بنيرانها البلد، والتي أقحمت الوطن في أتون حروب طاحنة اندلعت بعد الإطاحة بالحكومة المركزية الإستبدادية، كان التجنيد سمة من سمات ملامح هذه الفترة، حيث أن كل طرف من فصائل الصراع كان قد أكب على تجنيد الأطفال، وتدريبهم عسكريا، فقد ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن نحو 200 ألف طفل صومالي(حوالي5%من أطفال الصومال) قد حملوا السلاح وشاركوا في الحروب([4]).
وفي فترة زعماء الحروب الأهلية في الصومال الذين ذاقوا الشعب الصومالي ويلات الحروب، وجرعوهم كؤس المحن، وكانت الحروب العبثية والمعارك القبيلية التي حصدت أرواح المئات من الشعب سيدة المشهد، كان التجنيد للأطفال بارز للعيان، وكانت الصورة القاتمة التي تُرْسم في أذهان الأطفال أن المشارك في هذه الحروب الذي يبلي فيها بلاء حسنا ويظهر شجاعته المذهلة، يحظى بالبطولة والإعتزاز والفخر، ويحتل مكانة مرموقة لدى الفتيات اللأتي يرغبن بالزواج، ولدى الجميع بشكل عام، كان الإسم اللامع في هذه الفترة هو اسم ذلك المقاتل شاكي السلاح الذي أظهر إتقانه فن الحرب وجرأته في المعركة مع القبيلة الفلانية، ومما أذكره أن مجموعة من الأطفال تسمى كل منهم باسم زعيم حرب، مما ينم عن إعجاب ارتسم بشكل عفوي في ضمير هؤلاء الأطفال بسبب إفرازات البيئة غير النقية.
وتعتبر الحركات والتيارات الجهادية من أكثر الضالعين في تجنيد الأطفال واستغلالهم، كموارد بشرية بعد إخضاعهم لعمليات شحن أذمغتهم بأيدلوجيات تحمل ملامح التشدد، والغرس فيهم بنزعات دموية، وميولات لتصفية المخالف، وإبادته وتطهيره وسحقه من على وجه الأرض، فيتدرب الأطفال على عمليات حز الرءؤس للأسرى، كجزء من التدريب العسكري حتى يترعرع الطفل وهو في منتهى الوحشية.
وتشار إلى حركة الشباب في الصومال أصابع الأتهام بأنها تجند الأطفال وتستخدمهم في عمليات عسكرية وانتحارية تستهدف مؤسسات الحكومة، ومجمعات سكنية، والأندية والمنتجعات والفنادق، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في الحرب الأخيرة التي شنتها الحركة على مناطق ولاية بونت لاند حيث أن أغلب العناصر الذين تم القبض عليهم بعد الهزيمة النكراء التي لحقت في صفوفهم كانوا أطفالا في سن المراهقة، ما أماط اللثام عن حجم تجنيد الأطفال في صفوف الحركة.
وتحمل هذه الحرب دلالات مخيفة، حيث أن الحركة التي عرفت بقوة استراتيجيتها ودقة مخططاتها تبعث هذه العناصر التي يشكل الأطفال أغلبيتها الساحقة إلى منطقة نائية نوعاما من مناطق نفوذها، مع عدم وجود حاضتة وبيئة ملائمة خصبة بإزاء قوة لا يستهان بها كل هذا أثار تساؤلات وتشكيكات حول غرض الحركة في هذه الحرب، ويرى بعض المحللين أن الحركة تتلقى ضربات جوية من قبل الطائرات دون طيار التابعة للولايات المتحدة التي تضيق الخناق على الحركة وتسنهدف عناصرها ورموزها، ويُتتوقع ازدياد وتيرة الهجمات الجوية في قابل الأيام، ما جعلها تبحث عن ملجأ ومخبأ ومكان استراتيجي ملائم، وبما أن التجربة الأفغانية لتنظيم القاعدة ورموزها مع أمريكا أثبتت أن المناطق الجبلية هي أفضل الأماكن للتستر من الغارات الجوية، إضافة إلى أحداث غلغلتو مع اعتقاد وانطباع بأن ولاية بونت لاند هشة عسكريا كل هذا متراكما أدى إلى إرسال هذه العناصر ليمثلوا حقل تجربة، ولمعرفة ما إذا كان المكان الذي وقع عليه الإختيار ملائم.
والأجدر بحكومتي ولاية بونت لاند وولاية غلمذغ -اللتان استطاعتا بفضل قواتهما العسكرية- الحد من نشاطات الحركة والقبض على هؤلاء الأطفال ألا يودعوهم في سجون وألا يخضعوهم لعمليات التعذيب، ولا مساءلة قضائية، لأنهم قاصرون وأطفال، فيجب مراعاة هذه الطفولة وإعادة تربيتها وتكوينها عبر برامج علمية تربوية صحيحة ودعم مشاريع خيرية لتنظيم دورات يشترك فيها كبار العلماء لمناصحتهم وتغذية عقولهم بالعلوم الصحيحة وتصفية أذمغتهم مما تم برمجته فيها مسبقا، وبقائهم قيد الإحتجاز أو المراقبة بالتعبير الصحيح، حتى يتم إفراغ ما في جعبتهم من الأفكار الهدامة، والميولات الدموية، ويجب بذل الجهود بإعادة دمجهم في المجتمع، فالولايتان الآن في مفترق الطريق للبرهنة على مدى جديتهم في الحفاظ على حقوق الإنسان وخاصة الأطفال، وتنقية ملفهم الحقوقي.


[1] -دليل الأمم المتحدة الفصل الثاني عشر-حقوق الأطفال.
[2] -https:\\children andarmedconflict.un.org
[3] -www.unicef.org\
[4] -موقع الإتحاد

الفتور عن الدعوة في الوسط الشبابي في مدينة قاريسا:

0 التعليقات

عرف الشباب في هذه المدينة تحمسه الشديد للدعوة ونشاطه الفعال، وبذل التضحيات من أجلها، وقد بلى في ذلك بلاء حسنا، مما ساهم في الترقي والإزدهار الديني في هذه المدينة والصحوة التي طرقت كل بيت، وتركت بصمات واضحة وتأثيرات إيجابية في نفوس قاطني هذه المدينة بمختلف شرائحه، ولامست شغاف قلوبهم بجاذبيتها المعروفة، وكانت لهذه الكوادر –التي نهضت للدعوة باستماتة، وشعرت بأن مسئولية الدعوة واقعة على كواهلها- أيادي بيضاء وجهود مشكورة في تصحيح مفاهيم كثيرة مغلوطة، وغرس بذور المحبة للتعليم الشرعي في المدعووين، والتصدي لجهود التبشير وإحباط محاولاته التي تنشط وتسير على قدم وساق، سيما في الحقل التعليمي من وراء الكواليس، لكن مما يلتفت النظر في هذه الأيام أن أعدادا هائلة من الوسط الشبابي الملتزم بدأ يتقاعس عن مهمة الدعوة ويتملص عن أي مهمة دعوية، وإن قام إليها قام مدفوعا متثاقلا، كأنما نزعت منه الحيوية كما تنزع الشعرة من العجين، وإن ألقى كلمة ألقاها ببرودة واضحة، كما وجدت هناك حالات انتكاسة ليست بالقليلة، وهذه الظاهرة الجديدة التي طفت على الساحة تستحق الإهتمام؛ وانطلاقا من هذا سطرت بيراعي هذه الكلمات لمحاولة التجلية عن عوامل هذا الفتور وأسبابه وهي خاضعة لاجتهادي الشخصي ويحق لكل أحد النقد والتصحيح.
مما يجب التنبيه به  أولا أن الفتور عن أي عمل شئ طبيعي وقد نوه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت غير ذلك فقد هلك" هذا يدل على أن الفتور شيئ يعتري النفوس البشرية وأنه طبيعي لكن أن يتزامن فتور هذه الأعداد في آن واحد في ظل مستجدات، هذا ما يعطيها اهتماما خاصا ويجعلها ظاهرة غير طبيعية وهذه بعض الأسباب التي أراها جلبت هذا التقاعس والفتور.
تبدد أحلام الشباب في نهوض الأمة من أزمتها:
كان الكثير منهم يعلق آمالا كبيرة على بعض الكيانات وبعض الحركات، لاستعادة أمجاد الإسلام، وتطبيق الشريعة، إلى غير ذلك من أحلامهم فإذا تلك الكيانات تنهار واحدة بعد أخرى، ومنيت بهزائم، وتبين للبعض بحكم الحوادث والمستجدات أن بعض الحركات التي يستميت في الدفاع عنها، ويعتقد أنها خاتم سليمان، تمحضت لحصد أرواح المسلمينن، وجلب الدمار للبلاد والعباد، ولا تأتي بجذوى، وبعض الحركات السياسية التي اعتقد بعض الشباب أنها متميزة في حلبة السباق السياسي، وإبراز الإسلام السياسي إلى الساحة، تكبدت بخسائر فادحة، وتكالب علها الغرب لإجهاضها عند ما سنحت لها الفرصة للتمثيل السياسي، وخيل إليه أن دون حلمه قرط القتاد، وأصيب بالإحباط.
المشاحنات داخل النخبة:    
كان هناك شخصيات بارزة ذاع صيتهم وعرفت حنكتهم في المجال الدعوي، وبرز هناك أسماء لامعة صارت محفورة في ذاكرة الشباب، ولهم صولات وجولات، في توجيه الشباب وتعليمه وتغذيته بالعلوم الإسلامية، وكان الشباب اعتقد أن هؤلاء هم النخبة، فتأسى بهم، واحتذى حذوهم، فإذا به يفاجأ بسيل جارف من نزاعات وخلافات جذرية يجتاح وسط هذه النخبة، بلغت هذه الموجة من الخلافات حد التراشق بالكلمات القاسية، ومسح الآخر على الأرض عبر المنابر والأقلام، بسبب التيارات الجهادية، فأصبح الشباب بين مصدوم محتار، وبين من تفاعل مع هذه البيئة الجديدة وتكيف معها لكن توزعت ولاءات الفئة الأخيرة لهذه النخبة ما بين مؤيد لهذا معارض لذاك، وبين مؤيد لذاك معارض لهذا، فبرزت هناك تكتلات وانشغل الشباب بسبب هذه النقاشات العقيمة عن المهمة الدعوية، وانحصر أمرهم في الرد على التكتل المضاد، ومن أبرز التكتلات التي ظهرت على الساحة تكتل "الحسانيون" فلا يجتمع الشباب في مجمع أو في معهد علمي إلا تندلع فيهم شرارة التصنيف، ويجر الحديث إلى هذا الموضوع العقيم الذي أصبح شغلهم الشاغل، حتي الذي يحتاط ويقف موقف المحايد يخضع لهذا التصنيف رغما عن أنفه.

الإغراق في الإقبال على الدنيا:
من أهم العوامل التي ألهت قلوب الشباب عن مهمة الدعوة وأشغلتهم عنها الإقبال المفرط على الدنيا؛ لأن هذا الإقبال ينمو في قلب صاحبه حتى يكون هو الأهم والمحك في قائمة الأعمال، ويأخذ الحيز الأكبر في اهتمام الشخص وتفكيره، فتستدرجه الدنيا وترخي له الجانب، حتي يقع في فخها الذي لا مناص منه ولا فكاك، ويجد نفسه في زخمتها، متفانيا في البحث عنها، قد نبذ من ورائه ما عداها، فتنحصر حماسته في دائرتها، ويفتر عن غيرها.
الخطاب الدعوي الممل:
هؤلاء الكوادر في الحقيقة لم يتلقوا أي تدريب لكيفية الإلقاء ولم تسنح لأكثرهم الفرصة ليأخذوا دورات في العمل الدعوي؛ لتحسين الأداء، فكانت الحماسة فقط ما يدفعهم لإقحام أنفسهم في هذا المجال، وشاء الله أن لا تبقى شرارة الحماسة الفارغة متوقدة لبرهة طويلة، وإن كانت تذهل البعض ببريقها أحيانا لكن سرعان ما تنطفئ، وسرعان ما تزول الفقاعة، وهذا ماحدث فعلا هنا في هذه المدينة، فقلّ الخطاب الذي يسترعي انتباه الناس، ويثير أشواقهم، وملّوا من الخطاب الممل وانفضوا عن كثير من الدعاة والخطباء والمدرسين.
نكتة:كان أحد الخطباء يلقي خطبته في الجمعة الماضية في أحد المساجد في هذه المدينة فقال: فالحمد لله على أن جعل بلدنا هذا بلد التوحيد، ومنّ علينا بعلماء ربانيين وولاة مطبقين لشرع الله ومنفذين أوامر الله...!!!
عجيب كأنه يخطب لجماعة آخرى ربما تسكن في المريخ!، والظاهر أن الخطبة ألقاها أحد الخطباء السعوديين والبلد المشار إليه هو السعودية فأخذ صاحبنا الخطبة فألقاها علينا على علاتها كما هي!!.


الكتاتيب القرأنية في مدينة قاريسا:

0 التعليقات


إن مما يثلج الصدور، ويبعث في النفوس الغبطة والسرور، وتثير النشوة والإحتفاء والحبور، ما نراه في هذه المدينة من النهضة الدينية والإزدهار في المجال الدعوي، والنشاط المتزايد على الإلتزام، الذي أصبح السمة البارزة لهذه المدينة، واعترف بذلك كل من وطئت أقدامه وحط رحاله ولو لفترة وجيزة، على ثرى مدينة  قاريسا، فتشييد المساجد التي تتعانق مناراتها، وتتخالط همسات المناجين في محاريبها، سيما في أوقات الصلوات المفروضة، إلى تدشين المراكز التعليمية الدينية التي يكثر عددها يوما تلو الأخر، إلى ملامح الشباب الذين يشع من محياهم ومضات التدين الساطعة، إلى الفتيات المحجبات كل هذا غيض من فيض من بصمات الدعوة في هذه المدينة، ومشاهد الرقي في المجال الديني، والفضل في كل هذا يعود إلى الصحوة التي وصلت إلى القرن الإفريقي في الثمانينات من القرن المنصرم، ويبدو أن الثمار قد أينعت وأن الغرس قد أتى أكله، وهو أمر يجب علينا أن نحبذه تماما، ومن الحقول التي أثّرت هذه النهضة تأثيرا إيجابيا طبعا، وتركت فيها بصمة واضحة المعالم هو حقل تدريس القرإن الكريم، حيث تم إيلاءه اهتماما بالغا واعتناء متزايدا وبذلت فيه جهود جبارة.
ومن الملفت للنظر أن الخلاوي القرأنية ودور التحفيظ تكثر في هذه المدينة كثرة تفوق الخيال، وتعتبر هذه المدينة أرضا خصبا لهذا المجال لتوفر الإقبال المكثف على دور التحفيظ على كثرتها وقد تمخض من هذا النشاط تخرج كوادر مؤهلة بمختلف فئات العمرية وإن كان الأطفال والشباب هم الأكثرية يتقنون القرآن تلاوة وحفظا وإتقانا، ولم أستطع الحصول على إحصائية دقيقة لأرقام الكتاتيب القرآنية وأعدادها.
من المعروف في هذه المدينة الإرتزاق بالقرآن بشكل غريب حيث أن أحد أهل الثراء يقوم بتأسيس مركز لتحفيظ القرآن من ماله الخاص فيوظف المعلمين والمشرف والحارس ويوفر جميع الطلبات والإحتياجات ثم ينشغل في أعماله الأخرى الكثيرة فتأتي إليه الأرباح وهو في عقر داره أو في مكتبه فلا يباشر العمل ولا يجهد نفسه حتى على الإشراف والتفقد إلا نادرا وقد يكون إنسانا شحيحا فيضيق الخناق على المحفظين وينقص مرتباتهم ؛ لتفضل له أرباج باهظة وهذا من أكثر البواعث على الإنشقاقات التي أصبحت سيناريو مألوف في هذا القطاع في هذه المدينة؛ لأن هذا يخلق جوا مخنوفا ويبدي المعلمون استياء وتذمرا فتحدث هناك نزاعات بين أعضاء هيئة التدريس والمؤسس أو المشرف فيقوم المحَفِظُون بالإنشقاق من المركز وتأسيس مركز ثاني بالقرب من الأول، فينكفأ عليهم الدارسون من المركز الأول، بعد جهود مبذولة في هذا الصدد وخيوط مكيدة تحاك في هزيع الليل، فيمكن اعتبار هذا إطاحة وانقلابا في العرف السياسي لكن بفارق ضئيل، وهناك مدارس للتحفيظ تابعة للمساجد بناها بعض الهيئات الخيرية بوساطة هيئات محلية وتعتبر وقفا إلا أن المعضلة أنه تحدث فيها نزاعات أحيانا وليس غالبا بين المعلمين ولجنة الإشراف على المسجد، فلجنة الإشراف تريد إعطاء المعلمين رواتبهم وما بقي يعتبر ريعا يصرف في شئؤن المسجد أو في غيره بتصرفاتها، وهذا ما يمتعض منها المعلمون فلا يثقون في لجنة الإشراف ويرونها تستغل هذه الأوقاف، وأن ما يخرج من المدرسة لا تفضل من رواتبهم والجدير بالتنويه أن النزاعات من هذا القبيل قليلة نسبيا.
بما أن لفيح الشمس ولهيب حرارتها في هذه المدينة تضرب الرءوس وخاصة في وقت الظهيرة حتى الأصيل، فقد تقرر تدريجبا إلغاء مابين صلاة الظهر إلى صلاة العصر من الدوام واعتبار هذا الوقت استراحة ووقت قيلولة، هذا في التسعين بالمأئة من دور التحفيظ والخلاوي القرآنية، حتى الذين صمدوا في البداية أمام هذا التحدي؛ بسبب ضغوطات أولياء الأمور -الذين يرغبون بقاء أولادهم في الكتّاب ليستريحوا من عناءهم وشغبهم-، فقد خارت عزيمتهم مؤخرا وأذعنوا لهذا الأمر الذي أملت عليهم الظروف المناخية.
وقد تحولت الكثير من الكتاتيب من استخدام اللوح كوسيلة للتعليم إلى الدفتر؛ نظرا لكونه يوفر الوقت والجهد؛ ولأن اللوح واستخدام الحبر -وهو النظام التقليدي- يلوث البيئة التعليمية، ويجعل الأولاد عرضة لتلطيخ أجسامهم وملابسهم بالحبر مما يتقذر منه بعض أولياء الأمور، فيجب أن تكون البيئة التعليمة في غاية النقاوة لا تشمئز منها نفوس المتحضرين، لكن للدفتر بعض السلبيات أيضا أن الكراريس عرضة للتمزيق على أيدى الأولاد الصغار، فيترتب على ذلك ضياع القرآن والإستهانة به حسب اعتقاد بعض الناس، كما أنه يحتاج إلى تكلفة قد تكون شهرية مما ينزعجج منه بعض العوائل الفقيرة.
ومما تعاني منه دور التحفيظ والكتاتيب ويشتكي منه القائمون عليها كثيرا تأخر دفع الرسومات من قبل أولياء الأمور، يضيف المعلمون أنهم يتلقون تهميشا متعمدا بحيث أن هَمَ أولياء الأمور دفع الرسوم للمدارس النظامية دون الكتاتيب الذين لا يلقون لها بالا، وينسون أن المحَفِظين ترتبط بهم عائلات يعولونها، وأسر لها احتياجاتها، وأغلبهم في بيوت مستأجرة مما يجبر عليهم دفع الكراء في وقت مبكر من الشهر وإلا تم طردهم، لكن في المقابل يعزو بعض أولياء الأمور سبب تأخر دفع الرواتب إلى أنهم ينتظرون الرسوم من قبل أهاليهم في المهجر وأن الأمور ليست طوع بنانهم.
                      
وتعقد في أوائل شهر رمضان من كل سنة في مسجد ابن القيم في قلب المدينة مسابقة ترعاها جمعية القرآن الكريم وهي جمعية غير ربحية وتتلقى الدعم من قبل المحسنين ويشارك في هذه المسابقة زهاء أربع وثلاثين مدرسة وتمنح للفائزين جوائز ومكافآت رمزية للتحفيز والتشجيع، وقد تأسست هذه الجمعية حسب ما أفادني عضو من الجمعية في عام 2009 ولكنها عقدت أول مسابقة لها في عام 2010م. إلا أنها كما يبدو ليست لها أنشطة أخرى غير عقد المسابقات وهذا يعتبر قصورا، فهناك مهام كثيرة من حقها القيام عليها باعتبارها نقابة للكتاتيب القرآنية، وأن ترعى شئؤنها وتنافح عن حقوقها، وأرى أن الحاجة ماسة لعقد دورات تدريبية للمعلمين الذين لا يتمتع أكثرهم بالكفاءة اللازمة، فيجب تزويدهم بخبرات ومهارات تربوية لعمل بهذا الحجم وهذه الخطورة، فلا يمكن أن ينطلق كل شخص مما يملى عليه مزاجه وانصياعا لرغبته الشخصية، بغض النظر عن كونها صحيحة تخدم العمل التربوي أم لا وهذا أمر مشين يجب تفاديه بأقرب وقت ممكن، ومما يكشف اللثام عن الضعف التربوي لدى المعلمين عند الكتاتيب هو الضرب المبرح الذي أصبح ما تتميز به مدارس التحفيظ، دون مراعاة ونظر للجدوى منه، وأحيانا  يظهر جليا أن المعلم يقوم بالضرب للتشفي من الغيظ على تصرف الطفل، مما جعل الأطفال يأخذون عن هذه المدارس انظباعات واعتقاد أنها مدارس الأشباح والكوابيس المرعبة فلا يذهب إليها بأريحية ورغبة منه بل جبرا وقسرا ولضغط من قبل الوالد، كما أن هذه المدارس تفتقد الترفيه والترويح عن النفس ولو لدقائق محدودة وهذا جانب قد تم إهماله بشكل كامل لكن في المقابل يجد الطفل ما يتوافق مع فطرته وبراءته الطفولية وميوله من الترويح في دقائق محدودة في المدارس النظامية، وهذا قد جعل الأطفال يذهبون إليها باندفاع شديد ورغبة ملحة بخلاف الكتاتيب؛ حيث يأتي إليها الطفل مهموما كئيبا، كأنه أسير يساق إلى المعتقل.
وقد نجحت المدارس النظامية الحكومية وغيرها في استقطاب الجم الغفير من الطلبة ، حتى إنه لا يبقى في الكتّاب إلا نزر يسير، عدا يومي العطلة السبت والأحد والفترة المسائية من كل يوم والتي دائما ما يكون الدارس فيها منهكا بعد رحلة تعليمية شاقة في ظل المدرسة ولم يعد لديه النشاط المطلوب لدراسة القرآن، وهذا على خلفية رغبة أولياء الأمور واهتمامهم بالمادة، وهذا أمر يشتكي منه المعلمون في الكتاتيب كثيرا.

من الأمور التي ساعدت على إنعاش الدعوة ودفع عجلتها إلى الأمام بسرعة كبيرة هو تسامح الدولة الكينية حيال هذا الأمر التي منحت الحرية لمواطنيها في الممارسات الدعوية والأنشطة الدينية لكن هذا الصفو لم يقدر له أن يستمر إلى أبد الآبدين حيث شابه كدر، وبدأت الحكومة تقطب جبينها للمسليمن إثر هجومات متعددة شنت بها بعض التيارات الجهادية على كينيا أسفرت عن خسائر بشرية ومالية، فتغير المناخ الناعم إلى خشونة، ومن الحرية إلى اعتقالات طالت الكثير من الدعاة والمعلمين ومداهمات أفزعت الضمائر وأربكت القلوب وأحبطت الآمال، وأخرست الأصوات، بعد أن رميت إليهم سهام في غاية الشراسة، وهذه المداهمات كانت تستهدف دور التحفيظ غالبا في المدينة وحدثت اختطافات كثيرة في حق المعلمين والدعاة أتهمت بأن جناح مكافحة الإرهاب هو الذي قام بهذا الأمر، والذي صب الزيت في النار -حسب اعتقاد الكثيرين-، هو خطاب النائب الممثل للأغلبية في البرلمان الذي اتهم دور التحفيظ بأنها حواضن للإرهاب وأنها الحقنة التي تغذي الإرهاب في عروق الفتيان، هذا كان فحوى خطاب النائب إثر الهجوم الذي شنته خلية من حركة الشباب على الجامعة في مدينة قاريسا في العام الماضي، وهذه الضعوطات التي تمخضت من هذه الأحداث تعتبر صفعة قوية للمدارس الدينية عموما ولدور التحفيظ والكتاتيب خصوصا، ومن شأنها أن ترجع الأمور إلى القهقري ولكن ولله الحمد يبدو أن ذروة الأحداث قد مرت، وأن حدتها قد خفت، وأننا نعيش الآن في هدوء لا ندري ما ذا يعقبه، ويجب على الجميع السعي بكل المجهودات لتحقيق الاستقرار والبعد عن كل ما يثير الفوصى والبلابل، حفاظا على مكتسبات الدعوة؛ لئلا تذهب في أدراج الرياح.

جنون الشهرة:

0 التعليقات


بعض الناس يؤرقهم هاجس الشهرة، وينقضهم البحث عنها من المضاجع، فولعهم بها بلغ الشأو والذروة، وحبهم لها قد خالط سويداء القلوب، فأمنيتهم التي يحلمون بها، والتي يعيشون من أجلها ويموتون من أجلها، ويضحون كل غال ونفيس لأجل الوصول إليها، هي الشهرة؛ وحلمهم أن تكون لهم مكانة في المجتمع؛ ليكونوا مرموقين يشار إليهم بالبنان، يعرفهم القاصي والداني، ويصبح الواحد منهم مالئ الدنيا وشاغل الناس، فكل شئ رخيص لبذله في سبيل هذه الأمنية، ويركنون إلى كل وسيلة متاحة لديهم إذا كانت تحقق لهم هذا الحلم، وكل خطة ساري المفعول وقابل لتنفيذها شرط أن توصل إلى الشهرة ولو كانت خطة جهنمية، فهم في قبضة جنون الشهرة، الذي أفقدهم التوازن، وسيطر عليهم واستشرى في مفاصلهم، وتحكم على الشرايين التي تضخ بالدم على الذماغ، فهم يتصرفون طوع بنانه، ووفق املاءاته، فلا غضاضة في الإغراب وخرق العادة والخروج عن المألوف، بسلبيات مستنكرة ومشينة طالما هي تحقق هذا الحلم، مهما كان الثمن.
 فلا غرابة أن تجد رجلا أمريكيا اسمه دانيس أفنار أنفق مبالغ هائلة بكل سخاء لعملية جراحية من أخطر العمليات ليصبح قطة وليشتهر بها ويدخل في سجل المشهورين، فهو يعتقد أنه بالتخلص من انسانيته وتعريض نفسه للخطر وتحويل وجهه بكل ما فيه من جمال ورونق إلى وجه قطة يعتقد أنه يكون في مصاف المشهورين الذين ذاع صيتهم في أرجاء المعمورة وسيبقى ذكره على مر التاريخ، فهو بهذا حقق حلمه وأمنيته التي حملها في جوانحه منذ نعومة أطفاره، ولو على حساب نفسه فلا غرو إنها جنون الشهرة.
ولا استغراب كذلك أن تسمع رجلا اسمه إيريك اسبراجو وهو أمريكي أيضا أجرى على نفسه عملية جراحية وصفت بالخطيرة، بتكلفة باهظة؛ ليحول نفسه إلى ضب، ليصل إلى الشهرة  حتى وإن كان الثمن فقدان جماله والتنازل عن شخصيته، والذي دفعه إلى هذا العمل البشع هو ولعه بالشهرة وإذاعة الصيت مع اعتقاده أنه لا يمتلك ما يمكنه للتربع على عرش الشهرة، واحتضان حلم الطفولة من الإنجازات فعن له أن يركب الحصان الجامح ويضحي نفسه وجماله في سبيل تحقيق الحلم، إنها جنون الشهرة.
جنون الشهرة الذي يحمل البعض أحيانا على ارتكاب جرائم قتل وسرقة وما إلى ذلك فالمصاب بهذا المرض لا يهمه سوى الوصول إلى الشهرة مهما كان الثمن وبأي وسلية، فمن أدبيات التعامل في عالم جنون الشهرة أن الغاية تبرر الوسيلة، ذكر موقع (مصرص) وغيره أن شابا في مقتبل العمر كان مطربا مغمورا يعمل في المراقص والملاهي والأعراس، فكان يحلم بالشهرة وأن يصبح محبوب الجماهير وملك الأغاني الذي يتهافت على ألبوماته أعداد هائلة من مختلف الشرائح، وتستضيفه القنوات المشهورة لإجراء مقابلات معه، ويسطع نجمه ويلمع اسمه في الوسط الفني، لكن عوزه وحالته المادية حالت دون رغبته، لكنه كان مصرا على بلوغها مهما كلفه وبأي وسيلة، فتعاقد مع أحد المنتجين ليصدر له شريطا غنائية بصوته لكنه لم يستطع توفير 10 جنيه طلبها منه المنتج لإصدار الألبوم الذي أقنعه بأنه يوصله إلى الشهرة ويدر عليه بمبالغ هائلة فاتفق مع شقيقه على تنفيذ جريمة قتل وسرقة، فقاما باستدراج سائق سيارة نقل بحجة توصيل بضائع إلى سوهاج، وفي الطريق قتلاه وسرقا سيارة النقل وتركا الجثة في الطريق لكنهما فشلا في بيع السيارة لأنه لم يكن بحوزتهما مستندات، وانكشف أمرهما أخيرا، وتمت محاكمتها في القاهرة، فهكذا أعتقد هذا المطرب  أن دون حلمه خرط القتاد مالم يرتكب جريمة قتل وسرقة أموال؛ لينفقها لإنتاج ألبوماته، إنه مصاب بجنون الشهرة.
و جون هينكلي لما وقع في غرام الممثلة جودي فوستر، وهواها من كل قلبه، اعتقد أنه لا يستطيع أن يستميل قلبها إليه وينال إعجابها إلا بالإشتهار، طالما هي مشهورة فلا تعير اهتماما إلا للمشاهير هكذا خيل إليه، فلم يجد في نقسه ما يؤهله للنيل بالشهرة إلا باغتيال الرئيس الأمريكي أنذاك رونالد ريغان، فأطلق عليه ست رصاصات لكن الريئس نجا من الإعتيال بقدرة قادر، وفي التحقيقات ذكر جون أنه قام بذلك لنيل إعجاب الممثلة جودي، فأسقطت عنه المحاكمة باعتباره مختل العقل، وبقي قيد الإحتجاز في مستشفى للأمراض العقلية ولا يزال كذلك حتى الآن.
وعلى غرار السرقة والقتل تأتي جريمة أخرى كبيرة في مستهل قائمة الجرائم المرشحة لارتكابها بسبب البحث عن الشهرة وهي السرقة العلمية التي راجت وانتشرت في أوساط المدعين للعلم والمعرفة انتشار النار في الهشيم قديما وحديثا، وكثير من الكبار والمفكرين أصبحوا ضحية لهذه الجريمة حيث تغتصب أفكارهم وتسرق أعمالهم التي نال منهم بسببها الإجهاد والتعب فيأتي أحد مرضى جنون الشهرة فيسرقها بكل جرأة وصفاقة وينسبها لنفسه مع تغيير طفيف، ذكر الأديب عبد الله الهدلق أن القسطلاني سرق بعض المعلومات من كتب السيوطي ولم ينسبها إليه فصنف السيوطي رسالة بعنوان"الفارق بين المؤلف والسارق" فاعتذر القسطلاني وخرج من القاهرة إلى الروضة مكان سكنى السيوطي، خرج حافيا ماشيا حاسر الرأس حتى وصل إلى منزل السيوطي وطرق الباب، فقال السيوطي ولم يفتح له:أرجع فقد سامحتك..  والسرقة العلمية جريمة قضائية شنيعة، فالمتشبعون بما لم يعط، الذين يحبون أن يحمدوا بجهد غيرهم وبما لم يفعلوا، ويصلوا إلى الشهرة على أكتاف غيرهم وبعرق المكدين كثر، فهناك الكثير ممن يعاني الفقر المدقع في العلم وضحالة الفكر، وضيق الرؤية مع عشق وحب للشهرة والبروز إلى الأضواء فيسطو على جهود الآخرين وينسبها لنفسه وهنا تبدأ المعضلة بيد أن الله يكشف هذا القناع المزيف وتزول هذه الفقاعة بسرعة الضوء، وتكتشف هذه السرقة مهما احترف صاحبها ونبغ في الخداع والتضليل، وإن الفضيحة الفاقعة ستطوله رغما عن أنفه هكذا أثبتت التجارب.
وجنون الشهرة في كثير من الأحيان يدفع أصحابه إلى التمرد على المألوف، والإتيان بأمور مستنكرة في عرف الناس وفي دياناتهم؛ لإلفات أنظارهم وجذب اهتمامهم إليهم ولو باللعنات، وقصة الأعرابي الذي تجرأ على أن يبول في بئر زمزم في أيام الحج التي يحتشد الحجاج فيها إلى هذا البئر الميمون معروفة، ولما قبض على هذا الأعرابي وسئل عن سبب فعلته الشنيعة أجاب أنه يروم الشهرة ولو باللعنات ..فقط الرغبة في الشهرة هي التي حملته على هذا الأمر المشين الغريب، وهو يعلم يقنيا أن الصغار والكبار والعجائز والشيوخ سيلعنونه، وسيكون منبوذا بغيضا ممقوتا، بيد أن كل ذلك يمكن احتماله والتجشم إليه إذ أن رغبته في الشهرة تتحقق لكن بسلبية متناهية في القبح، وعليه أطلق المثل المشهور:"بل في بئر زمزم تشتهر" وهذا يشبه ما يفعله كثير ممن تعج بهم الساحة الإعلامية من التيار الليبرالي من التطاول على ثوابت الدين والتشكيك في معتقدات الناس مع التبجح بتحرير العقل من كبل القيود والأعراف والديانات لكنهم وللأسف غارقون في وحل التبعية للغرب، ومقلدون حتى النخاع فهذه ازدواجية واضحة لكنها مستساغة لديهم إذ أنها الطريق إلى أهذافهم.

ومن الطرق التي ينتهجونها لتحقيق الشهرة: التشهير والنيل من الكبار واستفزازهم للرد عليهم وإيقاعهم في فخ الندية، فهذه وسيلة تضمن لهم في اعتقادهم الشهرة الفائقة، يقال أن الطرماح هجا فرزدقا فلم يهجه الفرزدق؛ لأنه فهم أن الرجل يريد أن يشتهر بهذه الطريقة وقال:
إن الطرماح يهجوني لأرفعه..أيهات أيهات عيلت دونه القضب
أي رفعت عنه القصائد كما فسره ابن رشيق القيرواني في العمدة في محاسن الشعر وآدابه، وأما جرير فهجاه شاعر يقال له البردخت، فقال: مااسمه؟ قيل له البردخت قال وما معنى البردخت قالوا: الفارغ: فقال: إذا والله لا أشغله بنفسي أبدا هذا هو جرير الذي غلب شياطين الشعراء وسكن شقاشق الفحول -كما يقول ابن رشيق-، ترك هذا المغمور الذي لا يعرفه لئلا يشتهر به أو فطن أنه يروم ذلك فحال دون إرادته. ويقال أن بشار بن برد هجا جريرا فلم يجبه جرير أنفة فقال لو هجاني لكنت أشعر الناس، ويتضح من كلامه أن كان يريد أن يشتهر بالمناورة مع رائد الهجاء جرير والمبارزة معه، لكن الأخير فطن للأمر وأصر على التجاهل رغم أن بشارا لم يكن مغمورا بل شاعر فحل، لكنه أراد أن يرفع شأنه بالتهاجي مع جرير.
وهذا الأمر يفعله الكثير من العلمانيين المغمورين-الذين أيقنوا أن بضاعتهم كاسدة- مع العلماء الأجلاء لكن علماءنا وللأسف لا يتفطنون للأمر كما فعل جرير والفرزدق، ومن أدبيات وقوانين مرضى جنون الشهرة هذا المثل الذي يقول:خالف تعرف وقد أصاب من قال: "إن الإنتهاض لمجرد الإعتراض من جملة الأمراض" أسال الله لي ولكم العافية من جنون الشهرة وغيره من الأمراض والرزايا المدلهمة.،أ

كافة الحقوق محفوظة 2012 © site.com مدونة إسم المدونة